الشيخ محمد آصف المحسني
159
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وأما هذه الشبهة فيمكن أن يجاب عنها بأنّ انكشاف العلم بنفسه لا بعلم ثان . لا يقال : إنّه لو صح ذلك لبطل العلم البسيط وهو خلاف الوجدان . فإنه يقال : لا علم لمن غفل عن علمه حقيقة . نعم هو عالم بمعنى تمكّنه من حصوله بالالتفات . وبالجملة : من كان له علم بشيء فهو ملتفت إليه ، فإذا بطل التفاته فقد بطل علمه ، ولا معنى لتقسيم العلم إلى البسيط والمركب إذ أريد بالمقسم الانكشاف الفعلي . فتأمّل فيه . السادس : إنّه لا يعلم ذاته ولكن يعلم غيره على عكس القول الثالث . والمصرح في كلام العلامة الحلّي « 1 » والمحدّث المجلسي « 2 » - على اختلاف جزئي بين الكلاميين - أن هذا القول بل القول الأول والثاني والثالث والرابع والخامس من قدماء الفلاسفة . أقول : فساد هذا الوجه ظاهر . السابع : إنه تعالى لا يعلم الجزئيات المتغيرة بما هي جزئيات متغيرة ، كما عن الفلاسفة أو جمهورهم . وبرهنوا عليه بأن علمه تعالى إن بقي على حاله حين تغيّر تلك الجزئيات فيلزم الجهل ، وان تغيّر بتبع تغيرها لزم التغيّر في ذاته . بل لا يعلم الجزئيات المتشكّلة وإن لم تتغير ، كأجرام الأفلاك الثابتة على اشكالها ؛ لأن إدراكها إنما يكون بالآلات الجسمانية . وأما الجزئيات الثابتة غير المشكلة - كذاته تعالى والعقول الكلية - فهي معلومة له تعالى بأشخاصها بلا محذور ، كما أن الجزئيات المتغيّرة والمتشكّلة أيضا مما يتعلّق به علمه تعالى على نحو كلّي . وبيانه ما قرّره ابن سينا في محكي الشفاء « 3 » حيث قال في بحث إلهياته : ولأنه مبدأ كلّ وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له ، وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها ، والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها ، ومن وجه آخر لا يجوز أن يكون عاقلا لهذه المتغيّرات مع تغيّرها من حيث هي متغيّرة عقلا زمانيا مشخصا ، بل على نحو آخر منه فإنّه لا يجوز ان يكون تارة يعقل عقلا زمانيا أنها موجودة غير معدومة ، وتارة أنّها معدومة غير موجودة ، فيكون لكلّ واحد من الأمرين صورة عقلية على حدة ، ولا واحدة من الصورتين يبقى مع الثانية ، فيكون واجب الوجود متغيّر الذات . ثم الفاسدات إن عقلت بالماهية المجرّدة بما يتبعها مما لا يتشخّص لم يعقل بما هي فاسدة ، وإن أدركت بما هي مقارنة لمادة وعوارض مادة ووقت وتشخص وتركيب لم يكن معقولة بل هي محسوسة أو متخيلة . ونحن قد بيّنا في كتب أخرى أن كلّ صورة لمحسوس وكل صورة خيالية فإنما يدرك من
--> ( 1 ) شرح قواعد العقائد / 45 . ( 2 ) البحار 4 / 87 . ( 3 ) الشوارق 2 / 252 .